القرطبي
189
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
مع يوسف ، وأحبه صاحب السجن فوسع عليه فيه ، ثم قال [ له ] ( 1 ) : يا يوسف ! لقد أحببتك حبا لم أحب شيئا حبك ، فقال : أعوذ بالله من حبك ، قال : ولم ذلك ؟ فقال : أحبني أبي ففعل بي إخوتي ما فعلوه ، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى ، فكان في حبسه حتى غضب الملك على خبازه وصاحب شرابه ، وذلك أن الملك عمر فيهم فملوه ، فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه جميعا ، فأجاب الخباز وأبى صاحب الشراب ، فانطلق صاحب الشراب فأخبر الملك بذلك ، فأمر الملك بحبسهما ، فاستأنسا بيوسف ، فذلك قوله : " ودخل معه السجن فتيان " وقد قيل : إن الخباز وضع السم في الطعام ، فلما حضر الطعام قال الساقي : أيها الملك ! لا تأكل فإن الطعام مسموم . وقال الخباز : أيها ( 1 ) الملك لا تشرب ! فإن الشراب مسموم ، فقال الملك للساقي : اشرب ! فشرب فلم يضره ، وقال للخباز : كل ، فأبى ، فجرب الطعام على حيوان فنفق مكانه ، فحبسهما سنة ، وبقيا في السجن تلك المدة مع يوسف . واسم الساقي منجا ، والآخر مجلث ، ذكره الثعلبي عن كعب . وقال النقاش : اسم أحدهما شرهم ، والآخر سرهم ، الأول بالشين المعجمة ، والآخر بالسين المهملة . وقال الطبري : الذي رأى أنه يعصر خمرا هو نبو ، قال السهيلي : وذكر اسم الآخر ولم أقيده . وقال " فتيان " لأنهما كانا عبدين ، والعبد يسمى فتى ، صغيرا كان أو كبيرا ، ذكره الماوردي . وقال القشيري : ولعل الفتى كان اسما للعبد في عرفهم ، ولهذا قال : " تراود فتاها عن نفسه " [ يوسف : 30 ] . ويحتمل أن يكون الفتى اسما للخادم وإن لم يكن مملوكا . ويمكن أن يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله ، غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه . " قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا " أي عنبا ، كان يوسف قال لأهل السجن : إني أعبر الأحلام ، فقال أحد الفتيين لصاحبه : تعال حتى نجرب هذا العبد العبراني ، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا ، قاله ابن مسعود . وحكى الطبري أنهما سألاه عن علمه فقال : إني أعبر الرؤيا ، فسألاه عن رؤياهما . قال ابن عباس ومجاهد : كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها ، ولذلك صدق تأويلها . وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أصدقكم رؤيا أصدقكم
--> ( 1 ) من ع .